العين بالعين؟

بقلم د. إلهام مانع

“العين بالعين، والسن بالسن”.

“والنفس بالنفس”.

مبدأ تشربنا به منذ نعومة أظافرنا.

رضعناه مع حليب أمهاتنا.

تُفقع العين بالعين المفقوعة، وُتكسر السن بالسن المكسورة.

وتقطع الأنف بالأنف المقطوعة، وتُصلم الأذن بالأذن المصلومة.

ثم تُؤخذ الحياة بالحياة المهدورة.

والقاتل يُقتل.

مبدأ بسيط عملت به البشرية منذ آلاف السنين.

قيل لنا إن هذا المبدأ يُؤسس للقصاص عادل، يُظهرُ قوةً في ردة الفعل، ويضع الأساس لمجتمع قوي مستقيم خال من الجرائم.

قيل لنا أيضا أن هذا المبدأ جزء من تراث ديني لا جدال فيه.

وإن من يجادل فيه يخوض في أمور دينيةٍ محسومة.

وأنا استميحكما، عزيزتي القارئة عزيزي القارئ، في الجدال والتفكير.

استميحكما في الإختلاف.

المبدأ لم يبتكره دين معين.

بل عملت به البشرية في بداياتها، ثم أسست لها قوانين حمورابي في الدولة البابلية بداية من عام 1754 قبل الميلاد.

أخذت به الديانة اليهودية ومعها الديانة الإسلامية.

واختلفت معهما ديانات اخرى في الرؤية لا التطبيق.

إلى أن بدأت مراجعة هذه التراث في القرن الماضي من قبل رؤية إنسانية حقوقية تعتبر أن للإنسان حقاً اصيلاً في الحياة.

بكلمات اخرى، الدين الإسلامي لم يبتكر العقوبات التي وردت فيه. بل ورثها عن البشرية في تطبيقاتها القائمة في المرحلة التاريخية التي خرج فيها.

وفي كل الأحوال، حتى لو كانت هذه العقوبات جزءا اصيلا من الرؤية الدينية، فقد حان الوقت لمراجعتها وإنهاء العمل بها، لأنها ببساطة غير عادلة.

وعدا عن عدم نجاعتها، وتسببها في عاهات بشرية تصبح عالة على المجتمع، فإن تطبيق مبدأ قتل النفس بالنفس، أي عقوبة الإعدام، لا يؤسس لمجتمع عادل، بل مجتمع هرمي، يتحكم فيه القوي، ولا يحترم حياة الإنسان ولا كرامته.

“عقوبة ‘تشرعن’ فعلاً عنيفاً على يدي الدولة لا يمكن الرجوع عنه”، على حد تعبير منظمة العفو الدولية. والدولة غالباً ما تطبق هذه العقوبة بشكل “ينطوي على تمييز و تستخدمها بصورة غير متناسبة ضد الفقراء والأقليات وأفراد الجماعات العرقية والدينية”.

الضعيف عادة يتم تطبيق عقوبة الإعدام عليه.

الضعيف ومن لا حيلة له.

عقوبة غير عادلة لأنها لاتؤمن بإمكانية تأهيل الإنسان. تماما كما انها تستبيح حق الإنسان في حياته. حقٌ اصيل ولُد به.

أكثر من ثلثي دول العالم ألغت عقوبة الإعدام في القانون أو في الممارسة.

لكن منطقتنا، الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، تعرف أعلى معدلات عالمية للإعدام بالنسبة لكل شخص، وعلى رأسها إيران، المملكة العربية السعودية، العراق واليمن.

لازلنا نعيش في ثقافة تؤطر للعنف وتصر عليه.

وهو تأطير يتجاوز الدولة المستبدة وثقافتها، إلى رؤية دينية توحشت وتعتبر أن القتل “جهاداً”.

قتل المارة في شوارع تل ابيب والقدس نعتبره “جهادا مشروعاً”.

نصفق له ونطبل.

بدلاً من أن نتخذ موقفاً إنسانياً يدين هذه الأفعال.

والمشكلة ان من يدينها ويعتبرها عنفاً غير مقبول يوصم بالعمالة.

نقول إن عنف الدولة الإسرائيلية يستوجب رداً عليه، ثم نؤطر لهذا برؤية دينية “جهادية”.

لا ترى في الإسرائيلي والإسرائيلية إنساناً، بل هدفاً يمكن قتله.

وانا ارى الانسان فيهما.

وأصر أن العنف لن يؤدي إلى السلام ولن يمنح الفلسطينيين والفلسطينيات حقوقهم/ن المهدورة.

وهي حقوق يتوجب علينا الدفاع عنها.

فثقافة اللاعنف لا تعني أن يصمت الإنسان عن حقوقه المشروعة أو يكف عن المطالبة بها.

لكن الفعل دائماً يجب أن يكون سلمياً، متشربا بثقافة اللاعنف، تحترم حق الإنسان في الحياة.

لأنها تجعلنا نرى الإنسان في أعدائنا، لا وحشاً أو شيئا يمكن قتله.

معظم الشخصيات الحقوقية التي ألهمتنا في التاريخ الحديث هي شخصيات أصرت على ثقافة اللاعنف واحترام حق الإنسان في الحياة حتى ولو كان عدوا لها. وكلها حققت مطالب شعوبها وافرادها.

غاندي كان احد هذه الشخصيات.

مارتين لوثر كينج كان احد هذه الشخصيات.

ونيلسون مانديلا تحول إلى هذه الشخصية عندما تراجع عن العنف المسلح الذي دعمه لفترة، وأصر على أن الأسلوب السلمي واحترام حق الإنسان في الحياة هو السبيل لتحقيق السلام في وطنه.

ليس ترفاً الدفاع عن هذا الحق ـ حق الإنسان في الحياة.

وليس ضعفاً.

بل قوة تعبر عن ايمان بالخير والنور الذي في الإنسان.

تمهد السبيل لأي سلام مستديم، وتضع اللبنة الأولى لبناء مجتمعات سلمية تحترم الإنسان وكرامته.

Advertisements

2 thoughts on “العين بالعين؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s