الإتجار بالبشر….جريمة ضد الانسانية

مسرور أسود محيي الدينmasroor

لقد كرّم الله – سبحانه وتعالى –الإنسان واصطفاه على سائر مخلوقات الأرض، فجميع الشرائع السماوية والأديان تحثنا على احترام الحرية والكرامة الإنسانية، كما أنها تحرّم العبودية وقهر البشر والتمييز بينهم، فيقول المولى عز وجل في كتابه العزيز :” ولقد كرّمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ” صدق الله العظيم.

إن العديد من المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية الوضعية قد قدرت هذه القيم الدينية والإنسانية العظيمة، وحظرت المتاجرة بالإنسان بصورة تحوله إلى سلعة تباع وتشترى، بل إنها جرمت مثل هذه الأفعال غير الإنسانية بوصفها انتهاكا صارخا للقيم الدينية وحقوق الإنسان.

ويعد “بروتوكول الأمم المتحدة لمنع وقمع ومعاقبة الاتجار بالأشخاص وبخاصة النساء والأطفال” المكمل لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية الذي اعتمد وعرض للتوقيع والمصادقة والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 25 الدورة الخامسة والخمسين والمؤرخ في 15 تشرين الثاني عام 2000 من أهم المواثيق الدولية التي تصدت لظاهرة الاتجار بالبشر , وذلك لكونه وضع آلية فعالة للتعامل مع هذه الظاهرة الخطيرة بكافة جوانبها القانونية والمجتمعية، وقد بذلت جهود كبيرة على المستوى العربي والدولي في هذا المجال، حيث أن جامعة الدول العربية وأجهزتها المتخصصة، وبصفة خاصة مجلس وزراء العدل العرب، اضطلعوا بدور متميز في مجال تنسيق وتعزيز جهود الدول العربية في هذا المجال.

وتعد الاتفاقية العربية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية التي صدرت في 21 كانون الأول 2010, والاتفاقية العربية لمكافحة جرائم تقنية المعلومات في 2010 , فضلا عن هذه المبادرة العربية لبناء القدرات الوطنية في مجال مكافحة الاتجار بالبشر من أهم وأحدث ثمار هذه الجهود العربية الفعالة في هذا المجال، وعلى الرغم من جميع الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي( دولا ومنظمات ) في هذا المجال , إلا انه من الملاحظ – وفقا للتقارير الدولية – ان ظاهرة الاتجار بالبشر مازالت في تصاعد مستمر , ففي كل عام يتم الاتجار بنحو من 650,000 ألف إلى 850,000 ألف رجل وامرأة وطفل عبر الحدود الدولية ( تقدر بعض المنظمات الدولية وغير الحكومية العدد بأنه اكبر من ذلك بكثير ) وما زالت التجارة في نمو، كما يضاف إلى هذا الرقم أعداد غير محددة من الذين يتم الاتجار بهم داخل كل دولة على حدة.

فيعاني مايقدر بنحو 207 ملايين شخص من هذه الآفة في العصر الحديث. الرجال والنساء والأطفال يقعون في أيدي المتاجرين في بلدانهم أو في الخارج، ويجدون أنفسهم مستعبدين في العمل القسري والعبودية المنزلية والاستغلال الجنسي.

ويتأثر اغلب بلدان العالم بالاتجار، سواء كبلد منشأ وعبور أو وجهة للضحايا. قبل ستين عاما، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي نص على أن جميع البشر يولدون أحراراً، على انه لايجوز احتجاز أي فرد للرق أو العبودية، ويحظر الرق وتجارة الرقيق في جميع أشكالها . مع العلم بان الأطفال والنساء هم أكثر عرضة للوقوع ضحايا لشكل حديث من أشكال الرق، نسميها في الأمم المتحدة الاتجار بالبشر الذي تقدر تجارته بـ 36 مليار دولار، كما انه يحتل المرتبة الثالثة ضمن الجرائم العالمية الأكثر ربحية بعد المخدرات غير المشروعة والاتجار بالأسلحة.

لذلك يجب على جميع الدول العمل معاً لوضع حد لهذا الاعتداء على الكرامة الإنسانية, ومعاقبة المجرمين المتورطين وحماية الضحايا وإعادة إدماجهم في مجتمعاتهم، ولكن للأسف العديد من نظم العدالة الجنائية تقلل من خطورة هذه الجريمة.

من خلال الإحصاءات الدولية بصدور تقرير 2012 العالمي عن الاتجار بالأشخاص الشهر الماضي عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة الذي كشف أن27% من ضحايا الاتجار بالبشر عالميا بين عامي 2007و 2010 هم من الأطفال بزيادةقدرها 7% عن الفترة بين عامي 2003 -2006 و يشير التقرير إلى زيادة مثيرة للقلق في عدد الضحايا من الفتيات اللواتي يشكلن ثلثي مجموع الأطفال المتاجر بهم، كما تشكل الفتيات الآن 15 و20 % من العدد الإجمالي للضحايا في أن الفتيان يشكلون حوالي 10 % حسب التقرير الذي يستند إلى بيانات رسمية مقدمة من ( 132) بلداً.

وضمن هذه الصورة فهناك اختلافات إقليمية كبيرة. ففي حين أن حصة الأطفال الضحايا تقدر بـ 68 % في إفريقيا اوالشرق الأوسط و 39 % في جنوب آسيا وشرقها والمحيط الهادي وان هذه النسبة تتناقص إلى 27 % في الأمريكتين و 16 % في أوروبا ووسط آسيا.

ومع الأسف فالغالبية العظمى من الأشخاص المتاجر بهم هم من النساء اللاتي يمثلن 55 % إلى 60% من الضحايا المكتشفة عالميا ومع ذلك فان نسبة النساء والفتيات معا ( الإناث) ترتفع لحوالي 75 % والرجال يشكلون حوالي 14 % من أجمالي الضحايا.

ويشير التقرير إلى مخاوف كبيرة بشأن انخفاض معدلات الإدانة لمعاقبة المتورطين في الأشكال المختلفة من الاتجار بالبشر بين عامي 2007 و 2010 , وعلى الجانب الايجابي صادقت 154 دولة بما فيها على بروتوكول الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار بالأشخاص الذي دخل حيز التنفيذ في عام 2003.

إلا انه تم في نفس الوقت إحراز تقدم كبير في مجال التشريع فنحو 83 % من البلدان لديها الآن قانون يجرم الاتجار بالأشخاص وفقا للبروتوكول والعراق من احدى تلك الدول. ومن ناحية أخرى باتت الجريمة بالبشر تتخذ أنماطاأكثر تطورا وتعقيدا . فعلى سبيل المثال ارتكاب هذه الجريمة عن طريق الإجرام المنظم أو باستخدام شبكة الانترنيت تعد أمثلة واضحة على كثير من التحديات التي تواجه الجهات المعنية بمكافحة هذه الظاهرة.

إن التصدي الحقيقي والفعال لظاهرة الاتجار بالبشر يستلزم تحقيق مزيدمنتضافر الجهود الدولية والوطنية تجاه تلك القضية المجتمعية الهامة لأنهأصبح من الضروري التعامل مع هذه القضية الخطرة من جذورها المجتمعية والقانونية والاقتصادية وذلك من خلال وضع حلول جذرية للأسباب المؤدية لانتشار هذه الظاهرة عن طريق مواجهة مشكلة الفقر والتهميش والبطالة والجهل مع توفير الرعاية اللازمة للفئات الأكثر احتياجا مثل المرأة والطفل . وأيضا بات من الضروري العمل على تكريس الجهود الوطنية نحو تفعيل المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية ذات الصلة، ولعل من الأهمية بمكان التأكيد على أن تفعيل كافة الجهود المتقدمة تحتاج إلى وضع ستراتيجيات وخطط عمل وطنية واضحة وشاملة وذلك من خلال الوقاية من وقوع الجريمة وفي ذات الوقت ملاحقة ومعاقبة مرتكبيها في حالة ارتكابها .

وتتسع بصورة متزايدة خطط العمل والسياسات والبرامج المكرسة لمكافحة الاتجار الرامية إلى تعزيز التنسيق فيما بين القطاعات الوطنية ذات الصلة وأطراف صاحبة المصلحة , حيث أن كثيرا منها تضم تدابير محددة لمكافحة الاتجار بالنساء والأطفالومن هذه الدول (الأرجنتين، إسبانيا، استونيا، بلجيكا، فرنسا، فنلندا).

إن لدى الدول بعض التشريعات المحددة من شأنها تجريم الاتجار وما يرتبط بها من جرائم مثل (أندونيسيا، إيطاليا، بلجيكا، بنما، بوركينا فاسو، بيلاروسيا، تركمانستان، غانا، الكاميرون).

فعلى سبيل المثال أفادت باراغواي بأنها وضعت قانونا شاملا لمكافحة الاتجار وهو الآن معروض على برلمانها , وفي ليختنشتاين والسويد يمتد انطباق قوانين الاتجار بالبشر إلى خارج الحدود بمعنى انه يمكن محاكمة مواطنيها أو المقيمين بها حتى لو كانت الجريمة قد تم ارتكابها في الخارج.

وهناك العديد من البلدان أقرت تدابير قانونية لحماية ومؤازرة الضحايا / الناجين بما في ذلك منح تصاريح الإقامة المؤقتة وإتاحة فترات للتفكر وحماية الشهود خلال الإجراءات الجنائية والتعويض عن الأضرار , وثمة تطور إيجابي في هذا المجال يمكن رؤيته متمثلا في إتاحة فترات أطول للتفكر بما يتيح للضحايا / الناجين مزيدا من الوقت للبت فيما إذاكانوا سوف يشاركون في الإجراءات الجنائية ويلتمسون سبيل الحماية الفورية , وسيكون من المفيد اتباع هذا المسار على المستوى الإقليمي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وفق نهج قابل للقياس والتطور من خلال جامعة الدول العربية .

وازدادت جريمة الاتجار بالبشر بعد سيطرة داعش الارهابي لكثير من المناطق في العراق وسوريا واستهدافها للاقليات خاصة الايزيديين والمكون التركماني وهناك الاف الحالات مازالت مفقودةً مصيرهم … عليه نحتاج الى وقفة جادة لكل الدول العربية والناشطين والمنظمات لوضع حد لجريمة الاتجار بالبشر لانها اصبحت مستشرية بشكل كبير وتحت مسمع ومرأى الاجهزة الامنية.

مسرور اسود محيي الدين عضو مجلس المفوضين في المفوضية العليا لحقوق الانسان في العراق، وهو ايضاً رئيس لجنة حقوق الانسان في نقابة المحامين واتحاد الحقوقيين العراقيين في كركوك. وسابقاً، عمل كإستشاري قانوني ومحامي متخصص في قضايا حقوق الانسان. كما وعمل كمدرب ومستشار لدى الامم المتحدة والعديد من المنظمات الدولية والاقليمية فيما يتعلق بقضايا حقوق الانسان، حل الصراعات والنزاعات، وحوار الاديان.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s