فادي القاضي | 13 أيلول/سبتمبر 2024
ما يقارب تسع أشهر على تقديم جنوب أفريقيا لقضيتها ضد إسرائيل بشأن الإبادة الجماعية أمام محكمة العدل الدولية
من الآخر: ليس هناك ما يمكن تسميته نظام عدالة دولي، كما لا يوجد كذلك نظامٌ دولي يضمن المساءلة عن الجرائم الفظيعة ضد الإنسانية، سواء في أوقات النزاع المسلح أو خلال الصراعات الداخلية.
وأهم ما يجب أن نتناوله بالتركيز في هذا المقام، هو الجدوى المفترضة التي يُحققها أي نظام لـ العدالة (والدولية منها) وتأثيره المحتمل في سياق رَدع، أو إنهاء، أو تقليل، أو الحد من المخاطر التي تهدد حياة البشر المعرضة لخطر وشيك. وفي غزة، تم ازهاقُ أعداد هائلة من الأرواح – وما زالت تُزهقُ لهذه اللحظة – ومن المتوقع أن يتزايد ازهاقها بوتيرة متزايدة. والسؤال الرئيسي هنا: هل تستطيع الهيئات القضائية الدولية، من خلال أُطر تأسيسها وهياكلها، أن تحدث تأثيرًا رادعًا فعالًا؟ وهل بإمكانها تقليل فقدان الأرواح في النزاعات المسلحة؟ هل يمكنها منع المجازر، والفظائع، والجرائم ضد الإنسانية؟ أو على الأقل، هل يمكنها أن تُبطئ من وتيرة عمليات القتل المنهجية والمقصودة لأرواح الأبرياء؟
ومن الناحية النظرية، تبدأ [المُساءلة] بالتحقيقات، والمحاكمات التي قد تؤدي إلى الإدانات والعقوبات على الجرائم. ولكن، هل تتوقف الفظائع أثناء ذلك كله؟
مرت قرابة تسع أشهر منذ أن قدمت جنوب أفريقيا قضيتها ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر 2023. واليوم، أصبحت تشيلي الدولة السابعة التي أودعت لدى المحكمة إعلانًا بعزمها التدخل في القضية لصالح جنوب أفريقيا. وكما تابع الكثيرون، تستند القضية المرفوعة من قبل جنوب أفريقيا على أن إسرائيل ترتكب أفعالًا تندرج تحت اتفاقية منع الإبادة الجماعية – بمعنى آخر، أن إسرائيل ترتكب أعمال إبادة جماعية.
وكانت محكمة العدل الدولية قد أصدرت بالفعل [أوامر] تتضمن تدابير مؤقتة تُلزم إسرائيل باتخاذ خطوات لمنع وقوع الإبادة الجماعية. وقي واقع الحال، فهذه الأوامر ليست مجرد طلبات برسم حُسن النية؛ بل هي أوامر قضائية ملزمة. ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الأوامر، فإن مسار القضية، سواء اللجوء للمحكمة بحد ذاته، أم اصدار المحكمة لأوامر التدابير المؤقتة، لم يكن له أي تأثير رادع على إسرائيل. ويبقى القتلُ مستمراً. وسواء تصاعدت وتيرته أو استمرت بنفس الحدة؛ فتلك مسألة تقنية ومجهرية جنائية، لا تُزيل مفاعيل الحقيقة الساطعة بأن أي تدابير أمرت بها محكمة العدل الدولية لم توقف أو تقلل من حجم الفظائع المرتكبة في غزة.
وهنا، فعلينا أن نتحلل من نقاش التفسيرات القانونية لأي من المسائل المتعلقة، كون الجدل في صلب القانون الدولي وتفسيره لا يتعلق بأي من الوقائع المرتبطة، ومنها الفرضية النظرية بأن الوضع كان ينبغي أن يتحسن بمجرد إصدار محكمة العدل الدولية لأوامر التدابير المؤقتة، أو على الأقل من حيث وقف أو ابطاءُ حدة الفظائع المُرتكبة. ومع ذلك، يكمن جوهر المشكلة في بُعدٍ آخر يتجسد في غياب آلية أو آليات لإنفاذ القانون الدولي (الذي يُمثلُ دستور محكمة العدل الدولية). وفي ذات السياق، يفتقد القانون الدولي الإنساني لنظام يضمن الامتثال لتعاليمه وأركانه. وهذا كله، باختصار، يضعُ هذا المسار [القانوني] في يساق لا يجعلُ منه، أبداً، آلية أو أداة لـ الردع.
وقد يتجه البعض إلى المحكمة الجنائية الدولية، والتي تم إنشاؤها خصيصًا للاستجابة لقضايا العدالة الجنائية الدولية. ومع ذلك، فإن المحكمة الجنائية الدولية ليست هيئة شمولية التمثيل والعضوية والاختصاص. وأقلُ ما يمكن الاستشهاد به للدلالة على ذلك هو غياب بعض القوى الكبرى، مثل الولايات المتحدة، عن عضويتها، ورفضها لإطار اختصاصها، حين ترى ذلك مناسباً ويخدم مصالحها، والعكس صحيح. وهذا يقلل من قدرة المحكمة على تحقيق العدالة، تحديداً في ظل غياب توافق سياسي عالمي. وتكفي الإشارة إلى تحقيقات المحكمة الجنائية الدولية الجارية ضد روسيا، وهي قوة دولية أخرى، بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية في حربها ضد أوكرانيا، وبتأييد ودعم من قوى كبرى أخرى، مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا. ولا يمكن سوى الاستنتاج بأن التوافق السياسي الدولي الضروري لدعم عمل المحكمة معدوم تمامًا.
وفي حالة غزة، حتى لو احتسبنا طلب المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إصدار مذكرات توقيف بحق قادة إسرائيليين مثل رئيس الوزراء نتنياهو أو وزير الدفاع غالانت، فمن غير المحتمل أن تؤدي هذه الإجراءات إلى حالة من الردع الفعال. وبالرغم من أن هذه الطلبات قد خلقت بالفعل حالة من الارتباك داخل الحكومة الإسرائيلية، إلا أن الدائرة الابتدائية في المحكمة لم تقم بالموافقة عليها لغاية الآن- وهي عملية قد تستغرق شهورًا أو حتى سنة او أكثر كما جرى في بعض الحالات سابقاً.
وفي هذه الأثناء، تستمر الفظائع.
يذكرنا التاريخ بأن المحاكم الجنائية التي أنشئت ليوغوسلافيا السابقة ورواندا وسيراليون كانت ممكنة فقط بفضل التوافقات السياسية بين القوى الكبرى التي تُهيمنُ على مجلس الأمن الدولي. لكن اليوم، فمن غير المرجح أن يتوافق “المجتمع الدولي” على محاكمة الفظائع المرتكبة في غزة. فقد تم إحباط عدة قرارات صادرة عن مجلس الأمن بشأن هذه القضية أو حتى استخدام حق النقض لبعضها، لا سيما من قبل الولايات المتحدة، مما يعكس الانقسامات الجيوسياسية الأكثر عمقاً من أي وقت مضى.
ولكي تتمكن المحكمة الجنائية الدولية من محاكمة الفظائع المرتكبة في غزة بفعالية، فإنها ستحتاج إلى دعم قوي من المجتمع الدولي، لا سيما من القوى الكبرى. ولكن مع بقاء الولايات المتحدة خارج إطار المحكمة الجنائية الدولية، ومع الصعوبات التي تواجهها المحكمة في مقاضاة دول أخرى، فيبدو من غير المرجح أن يتوفر هذا الدعم.
نظام العدالة الدولية غير موجود، لا عملياً ولا نظرياً. وبدون ردع حقيقي أو مُساءلة، يبقى مجرد مفهوم نظري وأداة غير فعالة في منع الفظائع. وفي الوقت الذي يجب أن نُقدّر عالياً محاولة جنوب أفريقيا وسبع دول أخرى استخدام محكمة العدل الدولية كأداة للردع، فعلينا أن نُقر أيضاً بأن المحكمة نفسها لم تُصمم للعب هذا الدور الحاسم. ويجب أيضًا أن نقدّر موقف بعض الدول المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية والتي صدحت بصوت عالٍ للدفاع عن دور المحكمة (واختصاصها) في التحقيق في الفظائع ومقاضاتها في غزة. إلا أننا قد تجاوزنا بالفعل أي حدود معقولة للاعتقاد بأن الهيئات القضائية الدولية يمكنها أن تلعب دورًا في ردع الفظائع المتزايدة في غزة. وفي غضون ذلك، فإن أي تأثير حقيقي في تحقيق العدالة، سيخرجُ من رحم الزخم الذي تخلقهُ وتُولدهُ حركات المجتمع المدني العالمية وعملها على الصعيد الشعبي والمُجتمعي.