لن يُنقذ القانون الدولي الإنساني ولا قانونُ حقوق الانسان الدولي شعبَ غزةَ المذبوح
وحدها قوةُ حماية عربية تستطيعُ تغيير معادلة الدم والابادة
فادي القاضي *
هناك فرصةٌ، يبدو أن التاريخ يُتيحها لمرة واحدة فقط، لقيام حال ٍ عربي جديد، ليس بالضرورة نهضة ولا استنهاضاً ولا يقظة ً لمارد ٍ أنهكهُ قمقمُ الجغرافيا، وتناقض المصالح، والنهاية غير القابلة لإعادة البدء لما كان يُسمى، أو يُحلمُ به، سراً أو علناً، باعتباره “وحدة عربية”. وداعاً لـ الوحدة العربية. لكنَ الفرصة القائمة الآن تتعلق بمشروع “انقاذ” يبدأُ من البند رقم 11 في البيان الختامي للقمة العربية الطارئة بشأن فلسطين، والتي انعقدت في القاهرة في شهر مارس/آذار الماضي من العام الحالي 2025، وينصُ على “دعوة مجلس الأمن إلى نشر قوات دولية لحفظ السلام تسهم في تحقيق الأمن للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، على أن يكون ذلك في سياق تعزيز الأفق السياسي لتجسيد الدولة الفلسطينية.”
والإنقاذ ُ بشكل واضح، وعملي، يتمثلُ في الوفاء بما ذهب اليه اجماعُ الزعماء العرب في قمة القاهرة، وادراكهم أن الدولة الإسرائيلية لن تقوم من تلقاء ذاتها، بعد مشوار الدم الطويل الذي قطعته في جسد الكينونة الفلسطينية، بأنسنة ابادتها للفلسطينيين في غزة، أو في الضفة الغربية، بل أنها، وبما لا يتركُ مجالاً للتشكك، عازمةٌ على المضي قدماً إلى آخر الأشياء، كل الأشياء، ولن تتوقف، غالباً عند آخر حجر أو بشر في قطاع غزة. طالبوا بـ “قوة دولية لحفظ السلام”، لكنهم يعرفون الآن، وربما حين صدر بيانهم، أن فرصة نجاح أي مشروع قرار يدعو لذلك في مجلس الأمن هي أقلُ من صفر.
نحن بحاجة للبدء في المشروع الذي بدأهُ القادة العرب في قمتهم بالقاهرة، ويتلخصُ من دون مواربة، بتوفير حل لوجيستي قابل للتنفيذ فيما يتعلق بحماية الفلسطينيين في غزة. وبدلاً من التعويل على التفسيرات المطولة لانطباق القانون الدولي الإنساني، أو قانون حقوق الانسان الدولي، على الوضع في غزة، على أهمية تلك التفسيرات وصواب مقاصدها والمتمثلة في توثيق الخروقات والجرائم الفظيعة التي قامت بها إسرائيل في حملة الإبادة التي تشنها على غزة؛ يتوجبُ علينا عدم تجاهل أن لا آليات حقيقية، ولا هياكل، ولا مؤسسات كونية، تختصُ بردع أو عقاب الدول التي ترتكب مثل هذه الجرائم. ولا حتى المحكمة الجنائية الدولية، التي لا يمكنها القيام بأي تقاض ٍ فعال تجاه زعماء إسرائيل المتورطين بارتكاب مثل هذه الجرائم، ولا انفاذ مذكرات اعتقالها بحق نتنياهو ووزير دفاعه الأسبق.
نُعيدُ الفكرة لأصحاب الفكرة: قوة الحماية في غزة لن تكون سوى قوة عربية. باختصار. وتستلهم قوةُ الحماية هذه مهامها من الإطار التقليدي المُتعارف عليه للدور الذي تلعبه قوات حفظ السلام بشكل عام، والذي تُلخصهُ الأمم المتحدة بـ “حماية المدنيين، ومنع نشوب الصراعات، والحد من العنف، وتعزيز الأمن وتمكين السلطات الوطنية للاضطلاع بهذه المسؤوليات”.
والمسألة بالرغم من التعقيد الذي تنطوي عليه، بسيطةٌ في جوهرها: من دون قوة ثالثة، لن يتوقف شلال دم الفلسطينيين في قطاع غزة
ولكي لا تُصبح دولُ ما يُعرفُ بـ دول الطوق وحيدةَ في مواجهة المهمة اللوجستية والسياسية المعقدة بتمثيل القوة العربية الموحدة أو الظهور بمظهر يجعلها مسؤولة عنها حصراً، أو يحيط بالغموض كيفية عملها، فعلى مُعدي أي مشروع لتشكيل قوة الحماية العربية إعداد إطار تكليف تفصيلي يُقرهُ القادة العرب ويشرف على تنفيذه القادة الميدانيون.
وعلينا أن نتدارس القانون الدولي الذي يُعالج مسائل الاحتلال، والمعاهدات المشتركة بين الدول، وأن نستخلص منهُ ما يلزمُ لتوضيب إطار تكليف هذه القوة العربية، بما لا يجعلها: قوة احتلال أو قوة حرب. فهي لا تسعى الى شن حروب، بل لتوفير الحماية لـ: المدنيين، ما تبقى من الأعيان المدنية، المرافق الصحية، الامدادات الغذائية والدوائية، المرافق التحتية الأساسية مثل تلك التي توفر الكهرباء والماء والصرف الصحي، وما يمكنُ لها أن تقوم به من مهام أخرى.
والمسألة بالرغم من التعقيد الذي تنطوي عليه، بسيطةٌ في جوهرها: من دون قوة ثالثة، لن يتوقف شلال دم الفلسطينيين في قطاع غزة. كما أنها معقدةٌ بالرغم من بساطتها: لا ترغب الدول العربية في خوض حروب مع إسرائيل ولا تريدُ لتشكيل هذه القوة أن تكون مدخلاً لحروب محتملة. لكن المسألة تعود الى البساطة مرة أخرى: على الدول العربية أن تعلن عن تشكيل هذه القوة وأن تنشر طلائعها في نقاط قريبة من حدود القطاع، كخطوة ما قبل أولى، لتتمكن من دراسة الوضع الناشئ بعد ذلك بعناية ودقة.
ولكي نكون أكثر وضوحاً في هذه العُجالة (الدموية): فليست مصالح جميع الدول العربية على نفس المسافة من مشروع كهذا. لكن ما هو جليٌ، وأكيد، أن تمدد الحالة الدموية التي تخلفها الإبادة الإسرائيلية في غزة، والضفة العربية، هي مسألةٌ واردة، ولا ضمانات على الأرجح بعدم تشظي المنطقة العربية بمقذوفاتها على نحو أعمق وأكثر ايلاماً. كما أن القادة العرب باتوا يُدركون أن عدم قيامهم بمبادرة للجم المشروع الإسرائيلي في ظل مشهد “الصفقات” الذي تدير دفته الإدارة الأميركية الراهنة، سيجعلهم عرضة ً للابتزاز ولربما التنكيل الاقتصادي والسياسي عل نحو أكثر شراسة وضراوة. مصلحتهم أن لا يكونوا لاعبين ثانويين في منطقة هم أهلها وأصحابُ المستقبل فيها، إلا إن تخلوا عنه، وتخلوا عن المنطقة وأهلها.
* كاتب ومختص بشؤون الاعلام والاتصال في الشرق الأوسط