Arabic الحق في الحياة تـعـلـيـق ما وراء مجرد الخبر

ضبط مُعجم المصطلحات العربية الرسمية السياسية في زمن إبادة غزة

* فادي القاضي

أثارت عبارة “القدس الشريف” في ذيل بيان لوزارة الخارجية المصرية في شهر فبراير/شباط الماضي، حفيظة حكومات غربية، ووسائل اعلام غربية، ومنها اعلامٌ غربي ناطقٌ باللغة العربية، اجتهدَ في تحليل ما الذي يعنيه استخدام ذلك المصطلح، في ذلك الوقت بالتحديد، ولمَ تجنب بيان وزارة الخارجية استخدام “القدس الشرقية” بحسب ما درجَت عليه اللغة الديبلوماسية المُستندة للقانون الدولي، والتي استقرت على أن ذلك الجانب من القدس هو منطقة احتلتها إسرائيل بعد حرب يونيو/حزيران عام 1967 (أو النكسة)، وأصبحت القدس بذلك مُقسمة الى “شرق” و “غرب”، والشرق منه مسموحٌ أن نطالب به، على الأقل نظرياً، والباقي ذهب من دون عودة. ومضت وسائل الاعلام تلك الى استخلاص أن ذلك الاستخدام قد يعكسُ تحدياً للمقترح الذي خرج به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة (وهذه الوسائل تستخدم مصطلح “نقل الفلسطينيين” وتتجنبُ الإشارة بتاتاً الى أن ذلك في الواقع “تهجير”).

والواقع أن الخارجية المصرية، وعلى مدار سنوات طويلة من العمل الديبلوماسي المتعلق بالقضية الفلسطينية، أو الصراع العربي-الإسرائيلي الذي استقر أخيراً على كونه صراعاً فلسطينياً-اسرائيلياً، قد استخدمت مصطلح “القدس الشرقية” مراراً وتكراراً، إلا أن طوفان ردود الفعل على وسائط التواصل الاجتماعي، ذهب في معظمه للاحتفال بذلك الاستخدام الذي رأى فيه العديد من المُتفاعلين، استخداماً مقصوداً يهدفُ لإسماع العواصم الغربية، وعاصمةٌ مُحددة منها، رسالة الإصرار على قيام الدولة الفلسطينية، وعاصمتها القدس. هذا ما قيل آنذاك. لكن المشكلة هنا، أن البيان الذي تُرجم للغة الإنجليزية، ونشرته صفحة الوزارة على الفيسبوك، استخدم مصطلح “القدس الشرقية”، وليس واضحاً ان كان من يُرادُ لهُ أن يسمع في عواصم الغرب، قد سمع أو سمعت، أو أن أي رسالة ما وصلت!

ومن الواضح هنا أن المصطلحات المستخدمة في سياق سياسي، هي أكثرُ من مجرد مفاتيح لفهم السياسة أو المواقف التي تنتهجها الجهات أو الدول في علاقاتها مع
جمهورها، ومع جمهور الدول الأخرى، ومع حكومات الدول؛ بل هي كذلك أدوات لحفر السردية السياسية الراهنة، وذخيرةٌ للاشتباك والمناورة وإدارة ديناميكيات العلاقات المعقدة والسهلة منها في البيئة المحيطة.

بدخول حملة الإبادة التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين في غزة شهرها التاسع عشر، استقرت الوقائع على نحو لا يمكن دحضه، حتى في أضيق مسارات القانون وأكثرها تشدداً، بأن تلك “إبادةٌ جماعية” بالمعنى الذي تضمنته اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وإن كان ما زال هناك “جدلٌ” حول ارتقاء ما تقوم به إسرائيل في غزة لمصاف “الإبادة الجماعية” أم كونه “انتهاكات صارخة” للقانون الإنساني الدولي؛ فإن ضخامة شلال الدم الفلسطيني في غزة لا يسمح بأي رفاهية للاستمرار في حفر مجرى للهرطقة “القانونية” التي تؤجلُ وصف الوقائع -بأنها إبادة أم لا- إلى ما بعد صدور قرار محكمة العدل الدولية في الدعوى التي أقامتها جنوب افريقيا على إسرائيل في  29 ديسمبر/ كانون الأول2023 والتي لا يؤملُ بصدورها قبل عدد من السنوات.

وفي حالنا الراهن، وبعد كل ذلك الوقت، لا يُقدمُ المعجم السياسي العربي الرسمي أي درجة من الاتساق، أو الانسجام، في التعامل مع الإبادة في غزة، على المستوى الديبلوماسي والدعاوي (إن وُجد طبعاً). ومن شأن اللجوء الى سياسة منسجمة ومنضبطة في إدارة المعركة المصطلحاتية، إن جاز التعبير، أن يوفر دعماً ومُناصرةً لضحايا الإبادة في غزة وفي عموم الأرض الفلسطينية، في حال رغبت الحكومات العربية حقاً وفعلاً وقف مجرى الدم والتقتيل.

ولنبدأ من الإطار العام، فنحن بحاجة للاستقرار على وصف إطار الوقائع العام باعتباره “حملة إبادة جماعية مُنظمة ومنهجية” تشنها إسرائيل على الفلسطينيين في غزة. وليبدأ الحديث من بعد ذلك الوصف. ونحنُ بحاجة لأن يستقر ذلك الوصف المصطلحاتي في البيانات الرسمية الصادرة عن جميع وزارات الخارجية العربية؛ وفي الخطابات والمداولات التي يقوم بها الديبلوماسيون العرب في كل المحافل، وفي وسائط التواصل الاجتماعي الرسمية، وبكل اللغات المُستخدمة، والانجليزية قبل العربية على وجه الخصوص. ولا تحتاجُ الحكومات العربية لتشريعات وقوانين جديدة، لتباشر بتفعيل هذه الترسانة المصطلحاتية، بل لتوجيهات صادرة عن المستويات السياسية التنفيذية العليا فيها. ولا تحتاج كذلك لاتفاقيات عمل عربي مشترك ولا لمعاهدات.

كما يحتاجُ ساكنو الحكومات العربية إلى استدراك ومُراجعة للخطاب المُستخدم في إطار التعامل مع مجريات الأحداث اليومية، والميدانية منها، وربطها بالمجرى العام المُشار اليه. والقول هنا لا يجنحُ الى تجريم أو تكفير هذا الخطاب، بل إلى جعله مطواعاً للرغبة في دعم ومُناصرة الفلسطينيين المنكوبين في غزة، وتوجيهه -أي الخطاب- ليصبح أداة للفعل الفاعل.

ولعل ما يعقب تثبيت الإطار العام بمعن المُصطلح، هو التدقيق في المصطلحات التي يتكرر استخدامها، بسبب تسارع وضخامة فعل الإبادة والجرائم المترافقة معها. ولعل أبرزها فكرة الانتهاكات السافرة للقانون الدولي دارجة الاستخدام، ويجب أن تُصحَح لـ جرائم بموجب القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، كونها تحملُ في طياتها إدانة وطابعاً جُرمياً يفوق في وَقعِه فكرة “الانتهاك”.  وفي ذات السياق تبرزُ أيضاً أمثلةٌ كـ وقف الإجراءات العقابية المهددة للحياة التي لا تتضمن أي محتوى على الاطلاق، ومن الضروري تصحيحها وما يُشابهها لجُمل واضحة وصريحة المعنى مثل استخدام قطعُ الغذاء والدواء والماء أسلحةً لتجويع الفلسطينيين وقتلهم. كما يتوجب تحويل جُمل من مثل الأوضاع المأساوية التي يعانيها المدنيون في قطاع غزة إلى جمل مستقيمة المضمون والمعنى مثل استهداف إسرائيل المتعمد للمدنيين في غزة.

 

والواقعُ ُيشبعُ الوقائع دون رحمة. فالأمثلة لا تتوقف، لكن مراجعة الاصطلاح وتقويمه تنطوي على مغزى كبير، وعظيم المفاعيل. وليس من الضروري أن يؤدي استخدام نهج مستقر ومنتظم كهذا، عن تغيير في موقف الرأي العام في ألمانيا مما يحصل في غزة، وقد لا يؤدي لتطور مواقف الدول الداعمة لإسرائيل في حملة الإبادة الراهنة على نحو إيجابي، وقد لا يوقف تصدير الأسلحة لها، وما شابه. لكنهُ، وبالضرورة، ضروريٌ لتدعيم وتطوير مواقف الحلفاء على وجه المعمورة، وهم على ضعف حالهم، وضيق رقعة نفوذهم، كُثرٌ وكثيرون، يُشكلُ البعد الجغرافي والثقافي، واللغة، عوائق أمام اشتباكهم المباشر بالقضية.

ولعل ذلك دافعٌ وسببٌ لتدقيق وتمحيص، وإعادة كتابة معجم المصطلحات السياسية الرسمية العربية على نحو أكثر وضوحاً، واتساقاً، ومباشرةً. فليس من المفيد إطلاقاً أن نعيد انتاج مصطلحات الإعلام الغربي، وبطبيعة الحال سياسيوه أيضاً، من مثل استهلا الحديث بوصفها “الحرب على غزة” – هي ليست كذلك هي عدوانٌ على غزة بهدف الإبادة والعدوانُ مُصطلحٌ أصيل في فقه القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، لهُ تبعاتٌ وإطار. كما أن الاستخدام الضار لضمير الغائب في وصف الوقائع لا يجلبُ سوى المزيد من الإبهام في تحميل المسؤولية (والجُرمية منها) مثل المناداة بـ ضرورة وقف الاستهداف المتعمد للمدنيين والطواقم الطبية، حيث لا يُعرفُ من استهدفَ ومن تَعَمَدَ هذه الطواقم، وبما يؤدي لتمييع المسؤولية القانونية والجرمية. ينبغي القول بوضوح استهداف إسرائيل المتعمد للطواقم الطبية بكل بساطة.

كما قلنا، لا يحتاج هذا النهج لتحميل الحكومات العربية أعباء هي بغنى عنها، إنما يلزمهُ توجهات وتوجيهات من قمة الهرم التنفيذي لتفعيل الذخيرة المصطلحاتية في حملة مناصرة المنكوبين في غزة، من أجل وقف الإبادة، والاستمرار في طلب العدالة بحق قادة إسرائيل، وغيرهم ممن وفروا الدعم بالسلاح والمال والموقف السياسي لتقتيل الفلسطينيين وتشريدهم، مرة أخرى. إنهُ في الواقع، نقطةٌ في بحرٍ مما تستطيع هذه الحكومات فعله.

* كاتب وخبيرٌ اعلامي